الجمعة، 9 يناير 2015

قصة نجاح شركة كاتشب هاينز


ولد  في أكتوبر 1844، ليبدأ هنري جون هاينز حياته بطحن التوابل لوالدته في بدروم منزل الأسرة، وبعد ميلاده لحق به 7 من الأخوة والأخوات، جاؤوا جميعا من والدين ألمانيين هاجرا إلى أمريكا، أرض الأحلام، ونزلا في مدينة بيترسبرج، بولاية بنسلفانيا.




 قضى هاينز نهار طفولته في اللعب في حديقة والدته والتي زرعتها بالكرنب / الملفوف والفول، بينما كل مساء كان يصحب والدته إلى بدروم المنزل ليراقبها وهي تعمل في تقطيع وتخليل وصنع وتعليب المخللات من الخضروات التي كانت تزرعها في حديقة بيتها.





بدأ بتعلم مهارات البيع منذ صغره
رويدا رويدا، زاد الدور الذي يلعبه هاينز من مراقبة والدته إلى مساعدتها، ومن طحن التوابل إلى زراعة الفجل، ومن انتقاء الخضروات إلى غسيلها وتقطيعها وتخليلها وتعليبها، وحتى وضع خلطة الأعشاب الخاصة به – بجانب خلطة والدته، والتي كانت تضفي المذاق الخاص لهذه المخللات، وانتهاء بوضع هذه العلب على ظهر العربة الخشبية التي تسحبها الأحصنة والمرور على البيوت لبيع هذه المخللات الشهية.

 حين بلغ عمره 10 أعوام، كان هاينز مسؤولا عن رعاية حقل خضروات مساحته 3/4 فدان، وحين بلغ 12 ربيعا زادت حصته إلى 3.5 فدادين وخصصوا له حصانا وعربة ليحمل منتجاته ويمر بها على الزبائن ليشتروا منه. حين بلغ 17 ربيعا، كان ربح هاينز من بيع منتجاته هو فقط 2400 دولار سنويا، وهو كان مبلغا ضخما بمقاييس زمانه.

كانت رغبة والدى هاينز أن يكون واعظا في الكنيسة، لكنه حمل خططا أخرى لمستقبله، ولذا التحق بكلية أعمال نهارا، بينما عمل لدى شركة والده لصنع أحجار الطوب ككاتب حسابات، وبدأ يخطط لشراء حصة من شركة والده بما توفر لديه من مدخرات من بيع المخللات، إلا أنه بدأ يلاحظ رواج صناعة الأغذية المعدة سابقا وقرر أن يستثمر فيها.

ما بين أمان الوظيفة ومغامرة الفكرة الجديدة
وعمره 25 ربيعا، استقال هاينز من شركة والده، وبمشاركة صديق له، كلارنس نوبل، أسسا شركة هاينز و نوبل في 1869 والتي تخصصت في تعليب الفجل وبعض الأغذية الأخرى في زجاجات. في السنة الأولى لتأسيس الشركة، لاقى هاينز النجاح الواعد، خاصة وأنه كان رجل مبيعات من الطراز الأول، ولا عجب في ذلك فهو بدأ البيع منذ نعومة أظافره. كذلك كان عام 1869 تاريخ زواج هاينز بزوجته والتي رزق منها بأربعة.

الفشل الأول
لم تمض القصة بلا متاعب، فبعد السنوات الأولى، انهارت أسعار الفجل في عام 1869 وأصبح سعره زهيدا جدا، ما جعل الطلب على الفجل المعلب ينهار، وتوقفت المبيعات وجفت مصادر دخل الشركة حتى اضطر هاينز لإعلان إفلاسها في 1875. هذه الفترة كانت صعبة للغاية، إذ حاول فيها هاينز أن يحصل على مساعدات من محلات البقالة ومن كبار عملائه ليستمر في العمل لكنهم خذلوه، حتى أن هاينز لم يجد ساعتها مالا يشتري به الطعام لعائلته! هذا الخذلان علم هاينز ألا يعتمد على أحد لكي يستمر، وأن عليه الاعتماد على نفسه وعلى مجهوده واجتهاده.

في البداية كانت الكاتشاب
رغم هذه النهاية الحزينة، لم يفت الأمر في عضد هاينز والذي كان مقتنعا بأن المستقبل للأطعمة الجاهزة، ولذا عاد هذه المرة بمساعدة أخيه وقريب لهما لتأسيس شركة أغذية جديدة، تحت اسم اف و جيه هاينز والتي تخصصت في تصنيع منتج جديد: صوص الطماطم أو كاتشاب. مرة أخرى، نجح هذا المنتج في اكتساح السوق المتعطش لمثل هذه المنتجات، وشهدت الشركة رواجا حتى أن هاينز اشترى نصيب شريكيه بعد أعوام قليلة وأعاد تسمية الشركة إلى اتش جيه هاينز (أول حرفين من اسمه) في 1888. بعد الكاتشاب جاء الصوص الحار والخل وشوربة الطماطم والبصل المخلل وغيرها الكثير.

هاينز يعني الجودة العالية والثقة الراسخة
هنا يجب أن أوضح نقطة مهمة، ألا وهي أنه في هذا الوقت كانت الأطعمة الجاهزة أو المعدة مسبقا صرعة جديدة لم يعتدها الناس، ولذا قابلوا هذه المنتجات بقلق ونظروا إليها بعين الشك في نظافتها وجودتها. أدرك هاينز هذه المشكلة ولمس آثارها، ولم يجد سوى حرصه الشديد على الجودة ليكسب ثقة الزبائن والمشترين.

 قد تبدو لك نقطة عادية أو بسيطة لكن من يشرع في تأسيس شركة قد تسول له نفسه أو يغريه شيطانه بأن يوفر هنا وهناك بشراء مكونات ذات جودة متدنية أو لا ينفق على نظافة المكان أو غيره، فمن سيراه، وكيف سيعرف الزبون! هذا الحب الجودة طالما جعل هاينز من أوائل المرحبين بأي تفتيش حكومي على مصانعه وعلى طرق التصنيع لديه لثقته في جودة منتجاته وصرامة إجراءاته في مصانعه. هذه الثقة هي التي دفعته لأن يعبئ منتجاته في زجاجات شفافة، حتى يرى الناس مقدار الحجم المعبأ بداخلها، في حين كان الآخرون يستخدمون زجاج غير شفاف يخفي ما بداخله حتى يتلاعب من يريد كما يشاء!


هاينز – نجاح صنعته الطماطم!
كان نجاح الشركة مبنيا بالكامل على الطماطم، حتى أصبح هاينز صاحب أكبر شركة تصنيع للطماطم، إلا أن تجربته الأولى علمته عدم الاعتماد على منتج وحيد، ولذا بدأ في تصنيع مخللات أخرى، وبدأ يصنع سائل الخل ذاته، وغيرها من المنتجات ذات الصلة، ومنها إلى المربى والجيلي وغيرها. أثناء كل ذلك، كان هاينز يصر على استخدام منتجات طبيعية طازجة فقط (من خضروات وأعشاب ومكسبات مذاق)، الأمر الذي نتج عنه بناء سمعة طيبة وشهرة رائجة للشركة، مما انعكس إيجابا على المبيعات.


في السفر فوائد عظيمة
حدث في عام 1886 أن سافر هاينز لموطنه الأصلي ألمانيا، وهناك حيث زار المصانع وتعرف على طريقة جديدة في الإدارة، تقوم على تقرب المالك والمدير من الموظف والعامل، ولذا فور أن عاد لأمريكا بدأ يعد لسياسة جديدة في التعامل مع العاملين معه، سياسة تقوم على تقريب المسافة بين أعلى مدير وأقل عامل، مسافة تسمح بالتواصل بشكل يجعل الجميع مثل الأسرة الكبيرة، سياسة وفرت للعاملين تأمينا صحيا مجانيا، أماكن لممارسة الرياضة وحمامات سباحة، وحدائق ومكتبات وتدريب ومحاضرات. يكفي أن تعرف أنه طوال حياة هاينز، لم يحدث في أي مصنع من مصانعه أنا قام العاملون فيه بإضراب أو توقف عن العمل، بفضل هذه السياسة الذكية.

الشيء الآخر الذي يجب ذكره، أن هذه الرحلة جعلت هاينز يدرك أن منتجاته لن تناسب المشتري الأمريكي وحسب، بل إن المشتري العالمي بحاجة لها، ولذا بدأ التفكير في تصدير منتجاته للعالم كله. بعد مرور 10 أيام على هذه الزيارة، افتتح هاينز أول مصنع له في انجلترا.


التركيز على التسويق
بعدما استتب له الأمر، بدأ هاينز يوجه تركيزه للتسويق وبناء شهرة العلامة التجارية وصنع سمعة طيبة من واقع جودة المنتجات لا كذب الإعلانات، وبدأ يوضح أن منتجاته يصعب تقليد مذاقها في البيوت، وحين لاحظ انتشار المدنية وانشغال الموظفين في وظائفهم، بدأ يروج لمنتجاته على أنها الموفرة للوقت والجالبة للمذاق الشهي، وكذلك صحية ومن الطبيعة. كان كل هذا جميلا وطيبا لكن ليس ناجحا بشدة، ثم تصادف في ذات الوقت أن افتتن هاينز بالرقم 57 حتى أنه استخدمه كشعار تسويقي لشركته بأنها شركة تنتج 57 منتجا، رغم أنها كانت في هذا الوقت تصنع أكثر من 60 منتجا، وبدأ هذا الشعار ينتشر على منتجات وإعلانات ومنشورات هاينز (وحتى اليوم – على الرغم من أن منتجات هاينز الحالية تربو على ألفي منتج تباع في أكثر من مئتي دولة.)
سر الرقم 57





لكن كيف واتته فكرة رقم 57؟ يشاع أنه في 1896 حدث أن شاهد هاينز إعلانا لمحل أحذية يقول فيه: “21 طرازا من الأحذية” وأخذ هاينز يقلب الأمر في رأسه، ففي مصانعه، لم يكن له طرازات بل أصناف متغيرة، ولذا أخذ يعد أصناف المنتجات التي يبيعها، حتى تخطى رقم 57 في رأسه، لكن الرقم لم يتركه بل استولى على تفكيره وراق له طريقة كتابته حتى كان ما كان. (يشاع بأن رقم 5 كان رقمه المفضل، بينما 7 رقم زوجته المفضل!)


أشهر حملة إعلانية حتى اليوم
ذاع عن هاينز استعداده للترويج والإعلان لمنتجاته بكل ما هو جديد ومجنون، ولذا حين أطلقوا عليه لقب ملك المخلل، وتصادف أن شاركت شركته في معرض تجاري في مدينة شيكاجو، قرر هاينز توزيع دبوس معدني عليه شكل خيارة مخللة مكتوب عليها اسم الشركة يمكن ارتداؤه على الملابس، ولأنه وقتها كان أول – أو من أوائل – الذين يقدمون دبوسا هدية، أقبل عليه الناس وارتدوه لمدة زادت عن مائة عام أو قرن من الزمان، ما جعله أنجح وسيلة إعلانية استمرت لحقبة طويلة، وأما الآن، فإن هذه الدبابيس الأصلية أصبحت ذات قيمة كبيرة يتهافت عليها هواة التحف والأنتيكيات.



حب هاينز للإعلان بشكل جديد
مرة أخرى أذكرك بأننا نتكلم عن حقبة زمنية مر عليها قرابة مائة أو يزيد، حتى تتفهم كيف أن هاينز كان في عام 1900 من أوائل الذين وافقوا على صنع إعلان غير مسبوق: إعلان مصور مضاء بالاختراع الجديد – المصباح الكهربي، ونصبه في الشارع (أو بالأدق: الجادة) الخامس أو فيفث افنيو وهو من الأحياء الراقية وأشهرها (اليوم) في مدينة نيويورك. كان ارتفاع الإعلان يفوق 6 أدوار، وعرض اسم وشعار هاينز مع رقم 57 وتحته صورة العاملين في المصنع وهم يضعون الخيار المخلل في زجاجات، وكان الإعلان مضاءً بأكثر من 1200 مصباح كهربي، وكانت تكلفة إنارة الإعلان كل ليلة تكلف الشركة 90 دولار، لكن كل هذا لا يهم أمام إعلان تراه المدينة من بعيد، كل ليلة! بعد هذا النجاح، نصب هاينز إعلانات عملاقة مضاءة مشابهة وسط طرقات السكك الحديدية.

هاينز أول من بدأ رحلات زيارة المصانع
كذلك كان هاينز أول صاحب مصنع يرتب رحلات لعموم الناس لزيارة مصانعه ليرى الناس بأعينهم الطريقة الصحية لصنع منتجاته وأغذيته، وكيف أن المصنع يشتري أجود الخضروات وينظفها ويقطعها ويحفظها بأفضل صورة ممكنة. نعم، بقية الشركات التي ترتب اليوم رحلات مماثلة تقلد هاينز لا أكثر!

استمر نجاح هاينز مستمرا بدون منغصات حقيقية، حتى أصبح ثريا للغاية، وشهيرا كذلك، وبدأ يغزو العالم بمنتجاته. بقي هاينز في منصب مدير الشركة حتى مات عن عمر 74 سنة في عام 1919، وحين مات كان لدى الشركة التي أسسها أكثر من 25 مصنعا لإعداد الأغذية المعلبة، وتملك 40 ألف فدان مزروعة بالخضروات، ويعمل لديه أكثر من 6500 موظفا. خلف هاينز ابنه هاورد، والذي شارك والده في صفات المهارة في الإدارة وفهم توجهات السوق، واستمر في التوسع وتقديم المنتجات الجديدة مثل أطعمة المواليد وغيرها.

بقلم رؤوف شبابيك

في يوم ما، وجدت إحصائية أن 97% من البيوت الأمريكية لديها منتج ما يحمل اسم هاينز .


هناك تعليق واحد: